ابن قيم الجوزية

29

شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية

ذلك في واقع الأمر ، وإنما هي فروض وتخمينات لم تثبتها تجربة ولم يقم عليها دليل . والجوهر الفرد الذي زعمه أهل الكلام ونصبوه صنما لهم تدور حوله كل أفكارهم ومذاهبهم قامت أدلة كثيرة على بطلانه . وكان الذي قام بإبطاله هم الفلاسفة انتصارا لمذهبهم الهيولي والصورة ، وقد قام المتكلمون من جانبهم بإبطال نظرية الفلاسفة ، وهكذا ضرب اللّه بعض المبطلين ببعض ، وبقي أهل الحق والإيمان بمنجى من هذا الإفك والبهتان ، فما أورد على نظرية الجوهر الفرد أنه يلزم عليه أن تكون الخردلة مركبة من عدد من الجواهر الفردة يساوي ما تركب منه الجبل الضخم ، إذ كان كل منهما مركبا من أجزاء غير متناهية العدد . وهذا الإيراد إنما يتوجه على مذهب النظام الذي يقول بتركيب الجسم ، أي جسم من أجزاء غير متناهية ، فلزمه أن تكون الخردلة مساوية للجبل . وقد أورد عليه أيضا أن النملة إذا مشت بين نقطتين على جسم فإنها لا تستطيع قطع المسافة بينهما لعدم تناهيها إذ كانت مركبة من أجزاء غير متناهية ، وقد أجاب بأنها تمشي بعضا وتطفر بعضا ، فذهبت طفرة النظام مثلا ، وما أحسن قول الشاعر : مما يقال ولا حقيقة عنده * معقولة تدنو إلى الأفهام الكسب عند الأشعري والحال عن * د الهاشمي وطفرة النظام ومما أورد على الجوهر الفرد أيضا أنك إذا وضعت جوهرا فردا بين جوهرين فردين وجعلته وسطا بينهما ، فإنهما لا يتلاقيان ما دام هذا الوسط قائما ، وحينئذ يقال : اما أن يكون ما مسه أحدهما من هذا الوسط هو عين ما مسه الآخر بلا فارق أصلا ، وهذا محال لأنه يؤدي إلى انعدام الوسط نفسه ويقتضي تلاقيهما حال وجوده بينهما ، وأما أن يكون ما مسه أحدهما منه غير ما مسه الآخر ، وهذا يقتضي قبوله للانقسام ، فيبطل ما زعموه من عدم هذه الجواهر الفردة للقسمة أصلا ، وهذا دليل بين على فساد هذه الخرافة التي نسجتها أوهام